السياسة النقدية أفعال وليست أقوال ..

في لقاء مع غرفة تجارة حلب يوم الأربعاء 29\8\2018 أكد حاكم مصرف سورية المركزي أن دور المركزي كان في الفترة الماضية أقرب إلى المقبول منه إلى المأمول وأنه يعمل على تحضير الأدوات اللازمة لتفعيل السياسة النقدية وهو أمر واجب وضروري لان المصارف المركزية أنجزته منذ عقود (تنقية أجواء التسليف والإقراض وإحياء المصارف من جديد بعد سنوات من تفعيل شركات الصرافة على حسابها وتفعيل نظام التسويات الإجمالية الذي سمح بحوالات مجانية خلال ساعة فقط وليس أيام من أي مصرف لآخر واستكمال بنية الدفع الإلكترونية). وتحدث عن حل مشكلة الفئات النقدية الصغيرة (بما فيها 50 ليرة) قبل نهاية عام 2018. وأن قانون تغيير شروط الدين سيساهم بحل مشكلة القروض المتعثرة حيث يتم التركيز على الواعدين من المقترضين ممن يحتاجون رساميل تشغيلية ولديهم سمعة وضمانات كافية.
ورداً على سؤال أعضاء مجلس إدارة الغرفة عن موضوع تعويم الليرة السورية وكيفية التدخل لتخفيف العبء على المواطن وتخفيض الأسعار، وإذا كان بالإمكان "تخفيض سعر القطع رأفة بالعمال والمواطنين والموظفين". فكان الجواب: رأفة بهؤلاء لا يجوز حالياً التخفيض. وبناء على تفاني بعض الاقلام في تعليقات غير مبررة تنال من سمعة السياسة النقدية نوضح من جديد الموقف لجميع المواطنين.
يستمر المصرف المركزي منذ سنتين في سياسة معلنة عن استقرار نسبي لسعر صرف الليرة وهو هدف مهم لاستقرار أسعار السلع والخدمات أولاً وازدهار الأعمال وتأمين أجواء تخلق الوظائف الضرورية للمواطنين. ويتذكر السوريون بالعودة للسنوات الماضية أن تخفيض سعر الصرف بمائة أو مائتي ليرة أمر سهل بدليل حدوثه اكثر من مرة (في أيار 2016 مثلاً ارتفع دولار المضاربات في أسبوعين من 450 إلى 680 ليرة وهبط في أسبوعين تقريباً إلى أقل من 400 ليرة). لكن المشكلة كانت وستبقى في استقرار سعر الصرف لأن تقلباته تضر المواطن بالدرجة الأولى وتخدم مصلحة المضاربين. ويعرف الجميع أن المضارب لا يقلب جميع أمواله إلى دولارات وإنما يكنز الليرات ومختلف العملات. كما يمنع استقرار سعر الصرف التجار من رفع كبير للأسعار ويمنع المضاربين من تحقيق الأرباح التي تعودوا عليها في السنوات الماضية. لذلك نؤكد أنه من السهل تخفيض الدولار 200 ليرة مثلاً ولكن الصعوبة هي في تحقيق الاستقرار النسبي للعملة المحلية. لذلك وبناء على المعطيات الاقتصادية التي يدرسها المركزي وحرصاً منه على مصلحة المواطنين، وجد خلال عام 2017 أنه من المناسب استقرار سعر الصرف بجوار 520 وعندما تحسنت الظروف هبط بالسعر إلى 435 وبشكل مدروس فكانت النتيجة تخفيض قدرة المضاربين على التلاعب بسعر الليرة وعدم ارتفاع اسعار المواد بالطريقة التي كانت عليها قبل سنوات وكذلك ازدهار أعمال التجارة والصناعة بشكل أفضل من الماضي. 
لذا قال الحاكم أنه رأفة بالمواطن يجب البحث عن موضوعين الأول هو منع الاسعار من تكرار الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها سنوات الحرب (وقد ساهمت انتصارات الجيش واستقرار سعر الصرف والإجراءات الحكومية في السنتين الماضين في تخفيض معدلات التضخم). أما الموضوع الثاني فهو أن قدرة المواطن على الشراء تآكلت لدرجة لم تعد تسمح لراتبه بتسديد قسط أي مسكن يرغب بشرائه. فكان سؤال الحاكم أثناء اللقاء رداً على طلب البعض زيادة القروض للمواطنين: هل الأولوية زيادة القروض على المواطنين أم زيادة رواتبهم إلى مستويات مقبولة. وكلنا يعلم أن الأولوية التي نعمل عليها هي بالتأكيد لزيادة الرواتب بطريقة مدروسة لا تسمح بخلق أجواء تضخمية. والتضخم يساهم به بالتأكيد تقلبات سعر الصرف ولهذا قال الحاكم أن الليرات ليست مكتنزة لدى المواطن العادي وإنما لدى التجار والصناعيين (بنتيجة ممارستهم لأعمالهم الطبيعية وتحصيلهم لليرات سورية وجدوا أن مصلحتهم الحفاظ عليها بدلاً من عملة أجنبية فقدت 20% من قيمتها في العام الماضي) ومضاربين يكنزون الليرات بانتظار قرارات غير مدروسة تشبه ما كان يحدث في السنوات الماضية لتحقيق أرباح كبيرة وغير مبررة. فهل نهتم بمصير المواطن ومنع الاسعار من الارتفاع والتمهيد المدروس لزيادة الرواتب أم نخفض سعر صرف الدولار ونمنح التجار والصناعيين والمضاربين إمكانية تحقيق ارباح استثنائية غير مبررة؟
بناء على كل ما تقدم نعود للتأكيد على أن السياسة النقدية تتطلب الهدوء والتعامل مع الأحداث بروية تضمن للجميع الثقة بالسياسة النقدية بعيداً عن التصريحات الإعلامية غير المبررة او غير المدروسة.

المرفقات