العملات الرقمية أو الافتراضية وفرقها عن النقد العادي أو الخطي

العملات الرقمية أو الافتراضية وفرقها عن النقد العادي أو الخطي

في السنوات الأخيرة كثر استخدام مصطلح النقد الإلكتروني وبشكل خاص الأكثر انتشاراً منه عملة Bitcoin ،فما الذي يميز العملات التقليدية عن العملات الإلكترونية.  في الحقيقة ودون الغوص في الأصل التاريخي لمصطلح النقود يجب التمييز بين المصطلحات التالية:

  • النقد الورقي والقطع المعدنية: وهي النقود التي يصدرها المصرف المركزي
  • النقد الخطي: النقود التي تخلقها المصارف التجارية ويمكن تبادلها بمختلف قنوات التعامل المصرفي. ولكن يمكن للمصرف المركزي أن يتحكم بها من خلال مختلف الأدوات المباشرة وغير المباشرة المتاحة له.
  • النقد الإلكتروني أو النقد الرقمي أو الافتراضي(بمسميات وإصدارات مختلفة بما فيها عملة بيتكوين وإيثريوم ولايتكوين وداش كوين): يفترض من طرحها قبل عقد من الزمان تقريباً أنها لا تعتمد على مقابلات النقود أو على مقومات دولة بعينها وإمكانية التعامل بها وتبادلها إلكترونياً خارج سيطرة المصارف المركزي يعني مزايا عدديدة بما فيها استقلاليتها عن القرار الحكومي وضماناً لخصوصية المتعاملين بها. ومع ذلك حملت العملات الإلكترونية دلائل تؤكد ارتباطها في العمق بالنقود الورقية والخطية وبدأ بعضها يصدر بغطاء سلعي يفترض أن يعطيها قوة أكبر (مثل النفط بالنسبة للعملة الرقمية التي أصدرتها فنزويلا " البيترو Elpetro  "  كونها ترتبط بالنفط وأسعاره إذ تعادل قيمة كل واحدة منها سعر برميل نفط وقد رصدت فنزويلا خمس مليارات برميل من احتياطياتها النفطية على أمل أن يضمن ذلك للمتعاملين المستقبليين فيها استقراراً أكبر بقيمة هذه العملة الرقمية.

و رغم تأكيد البعض أن البيتكوين  «تقنياً» آمنة لا يوجد إجماع عالمي لشرعنتها. فقد كان موقف الدول نها متباينا بين التبني القانوني (كالولايات المتحدة واليابان والمكسيك والمغرب) وبين المنع الجزئي أو الكلي (كالصين وأوروبا والحزائر والإكوادور وماليزيا) والتحذير (كالبرازيل والسعودية والأردن ولبنان) وما يزال معظم البلدان بانتظار تشريعات واضحة تميز بين اعتبار العملة الرقمية محظورة كوسيلة دفع أو كأصل مالي. فمخاطر هذه العملات الافتراضية بشكلها الحالي جمة نذكر منها:

  • غياب الدور الإشرافي والرقابي الذي يضمن حقوق المستخدمين
  • اعتمادها على الانترنت مما يعني استحالة تبادل هذه العملة في حال انقطاع شبكة الانترنت.
  • استغلالها لتنفيذ عمليات غير مشروعة (تمويل الإرهاب وغسيل الأموال)
  • بغياب سلطة رقابية مركزية تضيع  إمكانية التعامل أو الوصول إلى تلك النقود الافتراضية سواء في حال فقدان المعلومات الخاصة بالحساب أو احتمال سرقة البيانات بالطرق العادية أو عبر جرائم أو عمليات القرصنة الالكترونية. وهذا بعض ما يجعل النقود الصادرة عن المصرف المركزي وعن المصارف التجارية والمحافظ الإلكترونية المرتبطة بها أكثر أماناً من النقود الإلكترونية.
  • احتمالات التأثير على استقرار سعر الصرف من موجات التداول المكثف والمضاربات عليها. كما أن نظرة على تقلبات أسعار تلك العملات (وهنا نركز مثلاً على البيتكوين منذ إصدارها في عام 2009 وحتى 2018) تؤكد طبيعة المضاربة الشرسة التي تكتنف العمليات التي تجري على هذه العملات الافتراضية.

فما حقيقة العملة الافتراضية وكيف تعمل ولماذا يجب توخي الحذر في التعامل معها؟

من أهم مشاكل الناس التحقق من أن ما يتم الإعلان عنه يعبر عن الحقيقة والواقع وفق ما يعلن عنه. أمثلة:  تقديم شهادة لموظف في شركتكم أو الحصول على سند ملكية عقار أو سيارة أو شراء قمح أو زيتون دون القدرة على التحقق من ان مصدرها فعلاً ما هو معلن عنه؟

المطلوب للتحقق أن تكون سجلات هذه الأشياء (معلوماتها ومن وكيف ومتى تم تداولها) مخزنة في نظام ما يتواجد فيه مراقبون للمعاملات التي تجري به بحيث يمكن معرفة أي تعديل أو تزوير في المعلومات لأن المقارنة تتم مع ما هو موجود في سجلات مختلف المشتركين بالمراقبة.  فيكون الأمان بذلك مضموناً.

تسمى البرمجيات التي تسمح بهذا النوع من التخزين والتحقق سلسلة البلوكات (block chain) ويلعب مراقبو المعاملات التي يتم تخزين المعلومات لديهم دور الكاتب بالعدل في الحياة الطبيعية. وهذا النوع من السلاسل يقوم بتخزين معلومات عن كل معاملة مع سابقاتها وذلك بعد تشغيرها حيث لا يتم حفظها بشكل غير مركزياً فقط وإنما بشكل موزع بين حواسب المشتركين (peer to peer network) مما يجعل النظام ملكية الجميع وليس ملكية شخص أو شركة منفردة. وبهذه الطريقة يكون بمقدور جميع المشتركين استعمال النظام والمساعدة في تشغيله. ويصبح النظام آمناً لأنه لن يكون بمقدور أحد إخراج النظام من العمل أو تخريبه.

في حاسب كل مشترك تتجمع المعطيات الواردة من الآخرين والمترابطة فيما بينها عبر بلوكات ويتميز كل بلوك بأنه يحوي المعلومات وكيفية تشفير البلوك من جهة (وكأننا نضع عليه بصمة تختلف حسب المعلومات التي فيه بحيث أي تعديل فيها سيجعل البصمة غير صحيحة ويجعل البلوكات التالية غير سليمة) وكيفية تشفير البلوك الذي سبقه (باستثناء البلوك الأول الذي سيبدأ الربط معه) بحيث يتم في كل مرة  ضمان استحالة التزوير..

بقيت سلسلة البلوكات بعيدة عن الإعلام والاستعمال المكثف إلى أن جاءت شخصية «مجهولة» اسمها ساتوشي ناكاموتو في 2009 وطرح العملة الافتراضية أو الرقمية تعتمد على هذه السلسلة بحيث لا تسمح لكل بيتكون بأن تكون مملوكة إلا من قبل شخص واحد. وتسمح بتناقلها بين المشتركين بدون وسيط أو مصرف أو حكومة.

يكون المشتركون الوسطاء من نوع (المنقّبون)  مسؤولون عن إنشاء البلوكات وربطها ببعضها. فهم يجمعون مختلف التعاملات التي يرسلها المشتركون العاديون  لبعضهم. وفي أي بلوك جديد يكون أول تعامل فيه هو التعامل الذي يحول فيه المنقب مكافأةالبلوك إلى حسابه ثم تليه باقي التعاملات (2009 كانت مكافأة المنقب الذي ينشئ بلوك 50 بيتكوين أما الآن فهي 12.5 بيتكوين حيث مع إنشاء كل 210 آلاف بيتكوين جديدة تنقسم المكافأة للنصف. وبعد 64 مرة من القسمة على 2 تصبح المكافأة صفر حيث في عام 2140 سيصل عدد البيتكوينات إلى 21 مليون بيتكوين).

مع كل تعامل (غير تعامل إنشاء البلوك) يكون هناك عمولة صغيرة تتراكم لصالح المنقب الذي أنشأ البلوك (الحافز للمنقبين للعمل على إنشاء بلوكات جديدة). وتتزايد قيم العمولة مع انخفاض حجم المكافأة إلى النصف في كل مرحلة.

كل 10 دقائق تقريباً ("نظرياً") يطلق البرنامج أحجية يتسابق المنقبون لحلها (التنقيب عن حل أحجية التشفير) وتسمح لأي منقب ينجح بحلها أن ينشئ بلوك جديداً. ليقوم بتعميمه بعد وصوله إلى حل تلك الأحجية (التي تعتمد على واقع التعاملات السابقة) وذلك بعد أن يضع حله للأحجية ضمن البلوك نفسه (يسمى الحل Nonce وهو عبارة عن العدد الذي يعبر عن حل الأحجية). وهنا تصبح مهمة باقي المنقبين التحقق من صحة حله وأنه لا يوجد أي تزوير او إنفاق مزدوج لنفس التعامل. وبعد أن يتحقق كل منقب من صحة الحل سيضيف البلوك إلى سلسلة البلوكات لديه. لذلك في حال توصل للحل أكثر من منقب  ووضعوا البلوك الجديد فإن المكافأة تكون من نصيب صاحب العدد الأكبر من الإضافات من قبل باقي المنقبين. وبذلك يستفيد المنقب من المكافأة  التي سيسمح له البرنامج بان تكون أول تعامل في البلوك وبهذه القيمة. كما يستفيد المنقب من مختلف عمولات تعاملات البلوك الذي أنشأه. أما المنقب الذي لم يرتبط بالبلوك الذي وضعه إلا عدد قليل فلا يفوز بأي شيء.

كما بأي لعبة فيديو يحصل الفائز على نقاط (هنا بيتكوين). والفرق هنا أن المشاركين مستعدون لتبادل نقاطهم مقابل عملة حقيقية: لا معنى للعملة الافتراضية لولا تواجد أصحاب العملة  الحقيقية ورغبتهم بشراء تلك النقاط الافتراضية.

لو أخذنا البيتكوين كمثال لأثير الشك بتواجد مآرب قد تنتظر اللحظة المناسبة. بالعودة إلى موقع سلاسل البوكات الأساسي https://blockchain.info لوجدنا أنه بدأ إنشاء أول بلوك للبيتكوين في الساعة 18:15 في 3\1\2009 وفي 9\1\2009 تم إنشاء 13 بلوك خلال ساعة ونصف فقط اعتبارا من الساعة 15:00وفي كل منها تعامل وحيد هو قبض قيمة الخمسين بيتكوين الأولى. وفي 10 أيام تم إنشاء 1000 بلوك ومع ذلك لم تبدأ التعاملات الجدية إلا بعد  ­إنشاء 100 ألف بلوك (بعضها فيه 2-3 تعاملات ملتبسة كأن تتم العمليات في نفس الثانية) قبل 29\12\2010 مما يدعو للاعتقاد بأن الشخصية المنشئة للبيتكون ساتوشي لديه على الأقل خمسة ملايين بيتكون  أي ما يعادل  50 مليار دولار (بفرض 10 آلاف سعر لكل منها).

بذلك  نجد أن الاعتقاد السائد خاطئ بأنه لا يجوز للبلوك أن ينشأ إلا عند وصول عدد التعاملات فيه إلى عتبة معينة أو أنه لا يجوز إنشاء بلوك إلا بناء على توقيت محدد يسمح كل عشر دقائق بإنشاء بلوك أو أن نهاية الإنشاء ستكون في عام كذا. وتتأكد الطبيعة المريبة للعملات الافتراضية  من الحقائق الواردة أعلاه خاصة وأن آلاف البلوكات تم إنشاؤها فارغة منذ البداية وتم العمل على الترويج الإعلامي المكثف في السنوات الأخيرة مما أدى للتقلبات التي يوضحها الشكل المبين في هذه الدراسة

بناء على كل ما تقدم يؤكد مصرف سورية المركزي على أهمية التعامل بالمحافظ وأدوات وقنوات الدفع الإلكترونية التي تستند إلى النقد الصادر من المصرف المركزي  والمصارف التجارية وفق القوانين والانظمة النافذة ويحذر من التعامل بالعملات الرقمية او لافتراضية التي لا تخضع لضوابط أو تعليمات مصرف سورية المركزي.